"(مراحل السلوك) قال بعض الصالحين في وصف مراحل السلوك: إن المؤمن إذا آمن بالله واستحكم إيمانه خاف الله ﷻ، فإذا خاف الله ﷻ تولد من الخوف الهيبة، فإذا سكنت غلبة الهيبة دامت طاعته لربه، فإذا أطاع ربه تولد من الطاعة الرجاء، فإذا سكنت درجة الرجاء في القلب تولد من الرجاء المحبة، فإذا استحكمت المحبة في قلب العبد سكن بعدها مقام الشوق، فإذا اشتاق أداه الشوق إلى الأنس بالله، فإذا أنس بالله اطمأن إلى الله، فإذا اطمأن إلى الله كان ليله في نعيم ونهاره في نعيم وسره في نعيم وعلانيته في نعيم. في ظني أن هذه الكيفيات الروحانية، والحالات الإيمانية، لا تأتي بطريق التوالي، لكنها تأتي بطريق التوازي، وتتفاوت كما وكيفا، فقد يغلب على المرء صفة الخوف، أو الرجاء، أو الحب، وهلم جرّا. وشأنها شأن الإيمان، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، على الراجح، من وضع نفسه في مواضع الشبهات، فلا يلومن من أساء الظن به. حصنوا أنفسكم من الظن السيء باتقاء مواضع الشبهات، وأماكن الريبة. من تتوق نفسه إلى اقتراف المعصية، لكنه يقاومها، فهو من الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة وأجر كريم. كأنه سمكة مرت بِطُعْمٍ، فترددت في أكله، ثم مضت وتركته، فسلمت من مغبة أكله."