"(الحروب القديمة) ياليت الناس يرجعون إلى قواعد الحروب القديمة، ليس فيها سفك دماء، ولا زهق أرواح، ولا بتر أعضاء، ولا إعاقات عضوية، ولا نفسية، ولا تُخَلِّف أيتاما وأرامل وخرابا. كان الجيشان يصطفان صفين متقابلين، بجوار عين أو نهر أو غدير، وبينهما ما يُقارب من ثلاثة أمتار، ثم تبدأ الحرب بالتتافل. هؤلاء يتفلون على هؤلاء، وهؤلاء يتفلون على هؤلاء، فمن ينشف ريقهم الأول ويجف لعابهم، فهم مهزومون. ومن لا يزال لعابهم يسيل من أشداقهم مثل خيوط العنكبوت، أو مثل لعاب البقر وهي تجتر، فهؤلاء هم المنتصرون. ثم يغتسلون في النهر، ثم يجتمع كبراؤهم من الطائفتين، فيتفقون على الشروط التي تمليها الطائفة المنتصرة، على الطائفة المهزومة. والأصل في حرب التتافل هي: أنه كان في غابر الزمان حكيم، عندما رأى ما تُخَلِّفه الحروب من الدمار، فكر في تغيير وسائلها وأسلحتها، فابتكر لهم (حرب التتافل) وأقنعهم بها بحجة منطقية وهي: أن الخائف المضطرب الفزع يجف ريقه، ويتخشب حلقه، وينعقد لعابه، فلا يستطيع أن يقذف بلعابه. وأن الشجاع الركين ثابت الجَنان، لا يجف ريقه بل يبقى رطبا نديا، فوافقوا على رأيه، لأنه وافق هوى في نفوسهم، من حب البقاء وكراهية الموت. فياليت الدول المتخاصمة، والدول المتحضرة، تحل مشاكلها عبر قنوات الحوار والتفاهم والتصالح، ويحقنون دماءهم، ويحصنون أعراضهم، ويحرزون أموالهم. فإن كان ولا بد من حرب، فيأخذون بقواعد (حرب التتافل)، ويدعون حروب الدمار والهلاك."