". (الحمير أمة) كان الحمير في غابر التاريخ، أمة لها حضارة، وفيها مفكرون وفلاسفة، وفيها أطباء ومهندسون، وكان لديها لغة ويتكلمون بها مثل البشر. وكان فيهم فيلسوف نابغة عبقري، لا يجارى ولا يبارى، وكانوا يقرون له، وينقادون إلى آرائه دون منازعة أو مقارعة. وكبر في السن وصار ضعيفا، وأثناء سيره من قرية إلى قرية، مر بين جبال ومرتفعات، فشم رائحة الذئب، فخالجه الخوف، لأنه لا يستطيع أن يقاومه كما كان شابا قويا. فكذَّب نفسه وقال: لا هذه ليست رائحة ذئب، ثم سمع عواءه، فقال: لا هذا ليس عواء ذئب. ثم رأى الذئب من بعيد مقبلا عليه، فقال: لا هذا ليس ذئبا، وكل هذا يكذب نفسه وحواسه. ثم جاء الذئب فهرب الحمار، فأدركه فعضه على عرقوبه، وتمضض بدمه، فأخذ الحمار الفيلسوف يصيح: فمن شدة الألم أخذ يصيح: ها ها - ها ها - ها ها، حتى نزف فمات، فتردد صياحه بين الجبال، فصار صياحه عاليا حتى وصل إلى القرية التي خرج منها. فقال الحمير: هذا صوت الفيلسوف، وهو يأمركم أن تتركوا لغتكم وتغيروها إلى هذه اللغة: ها ها - ها ها - ها ها. ومن ذلك الوقت، وجيلا بعد جيل حتى نسيت أمة الحمير لغتها. فصارت لغتهم: النهيق: شهيق ثم زفير، عكس الأصوات التي تبدأ بالزفير ثم الشهيق. (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير). العبرة: الإنسان يجد في نفسه قبول ما يوافقه، ولو خالف المنطق، ويجد في نفسه عدم قبول ما يخالفه، ولو وافق المنطق."