"حِكمةُ مشروعيّةِ الحُدود في الإسلام لم تُشرَعِ الحُدودُ لتُقام على المستتر، وإنما شُرعت لزجرِ المُجاهر. فمن استتر بذنبه فقد ستره الله، وأحرز نفسه من الحد. فيُقام الحدُّ على من يُفسد المجتمع بمجاهرته. وكذلك المرتد: لا يُؤاخَذ بمجرّد ما في قلبه، وإنما إذا أعلن ونشر وبلّغ، فقد عرّض نفسه للعقوبة، لا عَجَلةً ولا فوضى، بل بعد استتابةٍ وإجراءاتٍ وضوابطَ معلومة. وأما المنافق، فيُظهِر الإسلام ويُبطِن الكفر، ويعيش في حماية الظاهر، فحُكمه إلى الله؛ لأن الشريعة إنما تحكم بما يبدو، لا بما يُخفى. لكن إذا ظهر الفساد، لم يَجُز تركُه: فالتفاحةُ الفاسدة تُفسِدُ السَّلَّة، والدجاجةُ المريضة تُعدي الحظيرة. لهذا شُرعت الحُدود: وقايةً قبل أن تكون عقوبة، وحمايةً قبل أن تكون إيلامًا، ورحمةً بالمجتمع قبل أن تكون شدّةً على الفرد. فهي لم تُشرَع لِتُكثِر التنفيذ، بل لِتُقلِّل الجريمة؛ إذ إن إقامةَ حدٍّ واحدٍ أبلغُ في الردع من ألف موعظة. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، وصانعُ الشيء أدرى بما يُصلحه ويصونه."