"(نصائح اجتماعية) طويلةالحبال والمقال كثيرة الفوائد والعوائد التحذير من اتخاذ موقف مبني على فكرة نتيجة استماع من طرف واحد. إذا أردت أن ترصد الحق والبحث الموضوعي، فتجرد من مولاة صديق، ومن معاداة عدو. لا يُؤخذ الكلام مسلماً من موالٍ ولا من معادٍ. لن يتقي الله من خاصم، فسوف يسلط الأضواء على السلبيات ويضخمها، ويتغافل عن الإيجابيات ويقللها، وهذا من التطفيف المتوعد عليه بالويل. لن يتقي الله من والى، فسوف يسلط الأضواء على الإيجابيات ويضخمها، ويقلل من شأن السلبيات ويتغافل عنها، وهو بحسب نيته. وربما يصول الرجل في الحَلْبَة منفرداً، فهو يذكر شطر الحقيقة، والشطر الآخر عند الطرف الآخر المطعون فيه، الذي ينهش في لحمه، ويَلَغ في دمه. ولو قيل له: متى عهدك بلعن فرعون أو قدح أبي جهل؟ لقال: ها ها لا أدري! لا أذكر أني طعنت في عرضيهما! سبحان الله وبحمده يسلم منك عِرض فرعون، ولا يسلم منك عِرض أخيك المسلم! إن كان ولا بد: فلا بد من وجود مناظرة لتُتَاح الفرصة للرد على الادعاءات، وتوضيح اللبس، حتى تكتمل الصورة وتكون الحقيقة كاملة أو تكاد. والحد الأدنى أن تسمع من الطرفين، فيكون حكمك أقرب إلى الصواب وأبعد عن الخطأ. ولا يؤخذ كلام الخصوم بعضهم في بعض، لتفريطهم بأمانة القول ونزاهة الحكم، بقصد أو بغير قصد. وكل خصم متهم في أقواله وطعنه في خصمه. والأصل في المسلم العدالة والبراءة، حتى يثبت العكس من طرف محايد ونزيه بالبينة. والمعاصرة سبب المنافرة، فكل طرف يرصد عيوب الآخر ويبالغ في تضخيمها، وبعضها ردود أفعال ومغالبة واستعلاء، أكثر منها توخي الصواب والمناصحة ومراعاة مقتضيات الأخوة الإسلامية. وربما ما تفوه به أكثره ادعاءات، لا رأس لها ولا ذنب، ولا تخلو من خلط وشوائب. كان الأحرى أن تستر على أخيك المسلم (أين أنت من قوله: “من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة”)، وبدل أن تبادر إلى بغضه في الله، أن تدعو له بظهر الغيب، وتتواصل معه بالتواصي بالحق والصبر. فالتناصح خير من التناطح، والتصالح خير من التفاضح، في إطار الخير والمعروف. فلا تقع في فخ الشيطان، فيستدرجك للوقوع في عرض أخيك المسلم، والتشهير به في المجالس، ويستدل عليك بحجة التحذير من شره، وحجة البغض في الله، فهذا سلاح ذو حدين، فقد تصيب نفسك من حيث لا تعلم، فيصور لك الهوى في نفسك وحب الظهور في المجالس والاستعلاء على النظراء، على أنه البغض في الله والتحذير من شره. ولو تركتها لغيرك من أهل العلم والحكمة والورع، لكان أسلم لنفسك وأحرز لدينك. فلا تقحم نفسك فيما لا تحسنه ولا تأمن من عاقبته، وبالأخص إذا كنت طويلب علم أو دونه، فأول ما ترشفت من العلم بدأت تناطح وتطاعن. كونوا لإخوانكم كما كان يوسف عليه السلام لإخوته، ولا تكونوا لإخوانكم كما كان إخوة يوسف لأخيهم يوسف. احذر أن تكون ممن جعل بضاعته الطعن في الأعراض، وتجارته الهمز واللمز والغيبة والريبة، واتخذها هِجِّيراه (دأبه وعادته). فلو ذكر الله بعدد طعنه في أعراض إخوانه، لرُجي له خير كثير، ولسلم من شر مستطير (كثير منتشر). نسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلوب المسلمين على الحق والصواب، ويعيننا على التواصي بالحق والصبر، في إطار: المحبة والمرحمة."