"( فن التربية ) لن تكون موفقا كل التوفيق، إذا عالجت موضوعا اجتماعيا، ولم تضع نفسك فيه، باعتبارك جزءا من المشكلة، وكذلك لم تشرك معك بعض أفراد ممن يمثلون المشكلة، لتفهم دوافعهم وانفعالاتهم، وماذا يريدون وماذا يكرهون، لا تخطط للشباب، وأنت في عزلة عنهم، ولا بد من مشاركتهم في التخطيط، ومثله عندما تنظم للعمال أو الطلبة أو النساء. حتى الأطفال، لا بد أن تعايشهم، وتشرك معك علماء نفس، وأطباء تخصص أطفال، وتربويين، نية الإصلاح، والرغبة الصادقة في الإهتمام بالتربية الدينية والخلقية مع التحمس والإندفاع، لا تكفي، وإني لأتراها كما يتراؤن هلال رمضان للفسقة، يعني نتائج سلبية. وغير مرضية، وتشويه في المنتج. لابد من إعتبار أن ما يمتاز به الأطفال من الإهمال وعدم المبالاة، وكثرة الأخطاء، والميول السلبية، هي بحسب الظاهر جزء من المشكلة، وبحسب المآل هي جزء من الحل. لأنهم في مرحلة إكتشاف الأشياء، والتعلم بالتجربة، والمحاولة، والخطأ والصواب، ماديا ومعنويا. فالصواب إبن الخطأ، والصحة والمناعة بنت المرض. وهي بمثابة التطعيم، الذي هو بحسب الحال مرض، لكنه بحسب المآل صحة ومناعة من المرض. ومن أخطر الأشياء على التربية الإستعجال والحماس. إن الله ذم الخمر مرتين، وحرمها في الثالثة. وبينها أعوام. وبعد ثلاثة وعشرين عاما من التربية الدينية والخلقية، بالتدرج والتمهل، والتبشير والتيسير، ورفض التنفير والتعسير، ثم أنزل ( اليوم أكملت لكم دينكم ). لا تُطفئوا شمعة الأطفال، ولا تطأوا وردتهم بأقدامكم، ولا تحرموهم من لذة الحياة ومتعتها، ودعوهم ينطلقون ويمرحون ويفرحون، ويعبرون بطريقتهم وبراءتهم، لا تعقدوهم بالقوانين والقيود والحدود والسدود، ما هذه السوداوية والإنقباض والمقت. وبالوقت نفسه لا تهملوهم، ولا تدعوا تربيتهم ونصحهم وارشادهم وتعليمهم... الخ. تغافلوا عنهم ولا تغفلوا عنهم. لا تربوهم على أنهم آلات، أو حيوانات، فتقتلوا فيهم حس الإبداع، وروح الطموح، والإستقلالية بالرأي والتفكير، فيخرجون صالحين خاملين، أو محسنين بليدين. وإذا ورد الخطأ من أصحاب النوايا الحسنة يشتشري، ولوسكت من لا يعلم لقل الخلاف. وتقلص الإضلال. فالصالحون وأصحاب النوايا الحسنة، إذا تكلموا في غير تخصصهم، يكونون جزءا من نشر الضلال في المجتمع، بدرجات متفاوتة. وإني لأخشى أن أكون منهم، أعيذ نفسي وإياك من ذلك. هذا والله أعلم."