"(دهاء الملوك) استدع الملك مستشاره الحكيم، وقال له: قبيلة آل فلان، آخر من ينقاد لأوامري، فسآمر بإجلائهم إلى بقاع ووديان نائية. قال الحكيم: أطال الله بقاءك يا مولاي، لا تفعل، فإن آل فلان لهم وشائج متداخلة مع سائر الرعية، ومصاهرة وتشابك مع قبائل الرعية وبطونها، وناهيك عن المصالح المشتركة. وهذا سوف يجعل الرعية يتعاطفون معهم، ولا يقتنعون بسبب إجلائهم، وسيعتبرونهم مظلومين، ومن أجلاهم ظالما. ودينهم وأخلاقهم ومروءتهم، ستحملهم على أن يكونوا معهم ضد من ظلمهم، ولو في ضمائرهم ونيتهم. قال الملك: إذن ما العمل؟ إما أن تصبر، وتستصلحهم، وهذا أحمد مغبة. أو تستعمل معهم دهاء الملوك. وما هو دهاء الملوك. الملوك لا يتعجلون في الأوامر التي تثير الرعية، حتى يمهدوا لها، بالتأني والتمهل والتدرج. فأرى أن تُفضي إلى خاصتك، ومن تأمنهم على سرك , أن يشيعوا في الرعية تهما ضدهم، بأوقات متباعدة، بأن منهم من يجتمعون سرا لقلب الحكم، ومنهم من يجتمعون بأعداء الملك والوطن سرا، وعلى هذا المنوال. فبعض الناس تصدق، وبعض الناس يشكون فيهم وإن لم يصدقوا، وفئة قليلة لا تصدق. فإذا قلقلت ركنهم، وزلزلت أُسَّهم، وقطعت الكبير من عروقهم، سهل عليك إجلاؤهم، وأمنت من لوم رعيتك لك. ولم يعتبروك ظالما، ورأوا أنك محق، وأنهم يتحملون جريرتهم. فهذا هو دهاء الملوك."